|
مارتجلو..ذاكرة الحراز رواية في حلقات - الحلقة الأولي
|
||||||
|
أحمد محمد ضحيه |
...حلق الطائر محترقاً ، محترقاً حلق الطائر .. حلق وحلق . حلق حتى تضائل تدريجياً إلى شراشف لهبية متقطعة ، آخذه فى التضاؤل وها هو( مارتجلو )* تتبدى تلافيفه الحية عن صوته ذاته الذى لم تهده السنين .. شهد كل فترات السلم وكثيراً من الحروب ، السلاطين والممالك والناس ، ولم يحدث ثمة تغير ما فى صوته العميق الريان بالحنين واللوعة .. فى منتصف كل شهر تتنفس رئة الكون الواسع رائحة مارتجلو الرحيبة فتستفيق الأجرام السماوية ، ويسارع البدر منيراً ناصعاً ، بإلقاء ضؤه الوديع ، الساحر ،على الوديان الرملية الرطبة .. ومن مكان ما خلف الوادى العميق الحزن والوحشة ، بالتحديد مكان ما لاشرق لاغرب لاشمال أو جنوب .. من ذلك المكان بالضبط ينبعث صوت جدتى وهى تحكى عن مارتجلو .. مارتجلو ، هكذا كان الصوت معبراً ونافذاً ، بلا صدى ، حيث تنهزم قوانين الصوت وأضاليل الفيزياء ، وحيث يسبح الصوت فى الفراغ المهيب ، مليئاً بالاصوات السرية الساكنة .. الملأى بالهواجس والظنون والدلالات التى لا يفهمها سوى شعب الوادى .. شيئاً فشيئاً تغيب ملامح ( المارتجلو ) وتتسرب اللوحة ( شهاب أبوعلى ) فيتلاشى صوت جدته فى صوت الراديو : ( ...وقد ذكر مراسلونا أن ثمة جبل ضخم إنتصب بشكل مفاجىء فى منطقة القرن الافريقى ، و تؤكد مصادرنا أنه ربما للتحولات الكونية علاقة بما يحدث فى الشرق الاوسط، ووفقاً لتقرير المراصد أن ثمة ظاهرة مماثلة فى منطقة الخليج إذ بدأ يتكون جسم صخرى له بعض خصائص (اللافا) يشبه ذلك الجسم الذى سبق تناميه ( الاجتياح العراقى للكويت كما أفادتنا ..) أغلق ( شهاب أبو على ) جهاز الراديو بتأفف وأخذ يقلب فى الصحف السودانية والعربية المتراكمة أمامه. عثر على لوحة نوار بين تلافيفها .. تمعنها وهو يضعها جانباً فى عناية فائقة . حاصرته رغبة ما غامضة لم يستكنه فحواها ، فأخذ يمر بعينيه الكابيتين على العناوين البارزة ، إستوقفه أحدً مانشيتات (الشارع السياسى / 25/6/1998م ) أكثرمن4000 طالباً يفقدون إستمارات التقديم للجامعات و المعاهد العليا - مكتب القبول ينفى وصول الاستمارات وخطاب عاجل من الوحدة العسكرية - الطلاب بسم الله الرحمن الرحيم القيادةالعامة للقوات المسلحة الكتيبة الرابعة / لواء إدارة القيادة العامة الرقم / ق ع / ل ك / 50 /ج /1 /206 التاريخ/ 27/صفر /1418هـ السيد / منسق الشئون الاكاديمية بوزارة التربية والتعليم
مرسل لسيادتكم كشوفة بأسماء مجندى الخدمة الوطنية الذين ينتسبون لهذا الطرف والذين فقدت استماراتهم لكريم عنايتكم بإجراء اللازم .
وجزاكم الله خيراً
مرفقات : كشوفة إدارة القيادة العامة
يرفضون التقديم للأماكن الشاغرة ويطالبون بإلحاقهم بالكليات فوراً !. : هزّ ابوعلى رأسه وهو يلقى بالصحيفة التى فى يده على الأرض ، و (نوار) تداهمه بكل أشواق السنين الذائبة فى حضن المدى ، عايش جرحه الأزلى وهو يرتب لذاكرته من بريق الضوء الخافت ، المتسلل عبر النافذة سكة لفوضاه التى لاتلين لها قناة ، و سحب لوحة (نوار) . . أدخلها فى الحقيبة (الهاندباك) بحرص ، حاصرته رغبة ما ، دون هدف محدد.. ذات الرغبة التى تغولته منذ الصباح الباكر .. كانت نوار وحكاوى (الجدّة) عن "المارتجلو" ، وكان المساء يلقى بخطواته المتسارعة على شٌرفة القلب ... ورويداً ، رويداً تتسرب اللوحه (شهاب ابوعلى) ، تتداخل مع صوت (الجّده) المنسحب ، يحاصره (الكلّس) و(عتام) و(سلوى) .. قال صلاح : (فى الليلة التى اختفى فيها "الكلس" فى الصحراء ، انجبت زوجته تؤام .. عتام و سلوى ...) كان عتام ، جميلاً ، أمرداً ، أقرب للجمال منه للوسامة ، وكانت سلوى خلاسية مثله وأقرب للوسامة منها الى الجمال ، لولا الخال الذى يتوسط نونتها فيضفى عليها أنوثة وسحراً... ذكرت القابلة التى أخرجتهما من غياهب رحم أمهما للنور ، ان عتام يخلو من أعضاء الذكورة ، لكن ليس ثمة علامات أنوثة ما ،، ولم تصرح على الاطلاق عن تفاصيل سلوى ، حتى وهىتغالب النزع الاخير " منذ الطفوله الباكرة لعتام لم يبد إهتمام بشقاوة الاطفال ، كان ميالاً للوحده، ويهوى ألعاب الدفاع عن النفس بقبضة فارغة ، ولازمته هذه الهواية لزمن طويل ، الى أن اجادها فى امريكا فترة دراسته للقانون . الاخبار التى تواترت من هناك تحكى عنه كمعلم فى عالم العصابات ..إذ كان الاخطر بين كل المقاتلين.. كان عتام منذ طفولته لا يحب رؤية الدماء ، حتى أنه لايذبح الكائنات الاليفة ،مثل الحمام " إذا إقتضى الامر ، على الاطلاق " ولم يتنازل عن هذا المبدأ ، فلم يتهم بجريمة قتل أبداً " ومع ذلك طلبت الجهات الفدرالية الامنية، فى الولايات المتحدة الامريكية (عتام ) حياً او ميتاً " فقد أقض مضجعها ، وأقلقها بنشاطه الدائم ، فهرب الى القاهرة ، مما أزعج المصريين الذين لاحقوة بشراسه ، فهرب إلى بلاده.. كان عتام يبتكر مختلف أنواع الحيل ، ويمارس النصب والإحتيال دون وجل ..وينفذ عمليات خطيرة لصالح منظمات سرية ، تزعم الثورية والتحرر، عشقت شقيقته سلوى منذ طفولتها الفنون الجميله ، وبرعت فى الرسم .. كانت ساهمة دوماً، كانها تترقب المجهول ، وكلما هاجمتها لحظة من لحظات الغياب عن الشرود والولوج إلى الذاكرة ، تسافر إلى مدينة ما ، لتقيم معرضاً للوحاتها هنا او هناك .. كانت لكل لوحاتها علاقة بوالدها الذى إبتلعته الصحراء وبنوار التى تحاصر احلامها وبعتام الذى لايريدأن يحُط رحاله ويرتاح .. وبها وهى تنتظر( ابوعلى ) ، .. فترحل فى فضاءات الغياب والانتظار ؛؛ أكثرما كان يؤرقها ، الوحدة القاتلة ،التى تعيشها فى بيتها الفاره ، أعلا المدينة .. ثمة حنين جارف يحاصرها من حين الاخر، للأزقه والشوارع الضيقة ، وأمنية ما ، مجهوله المثوى، بلحظة تذوب فيها مع حبات المطر ، مع شخص تراه فى حلم يتكرر كل ليلة، شخص ليس كحاج عباس ... * جبل في إقليم دارفور - غرب السودان
|